الإعلام .. من توجيه العقول إلى صناعة الحكم
كلنا معرضون لتأثير وسائل الإعلام سواء بشكل سلبي و إيجابي و من أهم أنواع الوسائط الإعلامية المرئية التي تلعب دوراً تأثيرياً قوياً على عقل المتلقي هي السينما حيث أن السينما على مر تاريخها و منذ نشأتها شاركت بفاعلية في الدعاية لبعض الإيديولوجيات كالنازية حيث قامت الحكومة النازية باستغلال السينما للدعاية للفكر النازي و حشدت عواطف الجماهير و سرقت عقولهم للتلميع للإيديولوجية النازية، و أنا أميل لاعتبار الدعاية سلاحاً ناعماً يوجه للجماهير و يهددهم دون أن يشعروا بذلك البته .
كما دَعمت السينما من جهة أخرى العنف لدى بعض الأفراد الذين يميلون للعدوانية فربما كان الفرد عنيفاً بألفاظه فقط و لكن بعد مشاهدة فيلم عن الجريمة أو الانتقام تحولت هذه الألفاظ لفعل و سلوك أثر على المجتمع و هذا الفعل يزيد معدل العنف و الجريمة في المجتمع و من هنا يأتي دور القانون الجنائي في ضبط الجريمة و محاسبة المجرمين و أرى أنه من الضروري أن يركز القانون بشكل عام و القانون الجنائي بشكل خاص على دور وسائل الإعلام في زيادة أوخفض معدلات العنف و الجرائم و من المهم أن يتم استحداث تخصص اكاديمي مختص بالإعلام الجنائي في جامعاتنا العربية ، لأن هنالك علاقةً وثيقةً بين القانون الجنائي و الإعلام لأن الإعلام يؤثر في سير العدالة فيربح الظالم و يخسر المظلوم أو ينتصر المظلوم و يُهزم الظالم.
و اذا ما اتينا على تأثير الإعلام الدولي في سير العدالة الجنائية نجده يؤثر إما ايجاباً أو سلباً حسب أساليب و أجندات القنوات الإعلامية و وكالات الأنباء، فمثلاً لولا قوة الإعلام الأمريكي و أساليبه الماكرة لما كان قانون جاستا الذي أقره مجلس الشيوخ الأمريكي في 2009 بهذه القوة و الشهرة حيث أنه بعد أن ذاع صيت هذا القانون و انتشر في كافة وسائل الإعلام و مُست السمعة العالمية للسعودية توترت العلاقات بين المملكة العربية السعودية و الولايات الأمريكية المتحدة.
و نعود بالذاكرة لعام 2001 حينما أنشئ الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن مُعتقل غوانتنامو لمحاكمة الإرهابيين حسب ما تزعم الحكومة الأمريكية ، حيث كان هنالك تكتم إعلامي كبير عن ما يحدث في هذا السجن الذي يقوم بتعذيب الأنسان عذاباً مُهيناً غير مُنصفِاٍ و لا عادل ، و في 2004 بعد تسريب العديد من التقارير و المعلومات عن ما يجري في غوانتنامو من استبداد و ظلم و تعذيب قام الإعلام الأمريكي بخلق تبريرات و أعذار واهية لتلميع صورة المُعتقل فتارة يدعي الإعلام أن هؤلاء إرهابين يستحقون إنزال أشد العذاب بهم ليعترفوا بما اقترفوه و تارة يدعي أنه على وشك نقل السجناء و إغلاق المُعتقل و تارات أخرى يزعم الإعلام الأمريكي أن الرئيس الجديد ينوي إغلاق غوانتنامو و يذهب رئيس و يأتي خَلفه و لا يوفي بوعوده .
و من وجهة نظري أن الإعلام بالفعل ساهم بشكل كبير في إنشاء هذا المعتقل مُستغلاً ضعف بعض الجوانب في القانون الجنائي الدولي الذي ليس له سيادة على معتقل غوانتنامو .
و بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي حَرَصَ الإعلام الدولي في مقدمته القنوات التركية و الأمريكية و الأيرانية على تضخيم الحدث و إعطاءه أهمية بالغة بغرض الضغط على السعودية إعلامياً بل و قام كذلك برمي التهم جِزافاً على حكومة المملكة العربية السعودية و من الأساليب التي اتبعها الإعلام التركي استخدام بعض الأدوات الإعلامية الغير رسمية مثل خطيبة جمال خاشقجي فاطمة جنكيز التي كانت تظهر في وسائل التواصل الاجتماعي مستعطفةً الجماهير و مدعيةً أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كان وراء مقتل خطيبها ، و بعد أن قامت النيابةُ السعودية بكل ثقة بقانونها و عدالتها بنشر بيان حول حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي ثار غيظ فاطمة جنكيز و قامت برفع قضية ضد الأمير محمد بن سلمان في محاكم الولايات الأمريكية المتحدة .
أما الإعلام الأمريكي و الإيراني فنسوا عشرات الصحفيين الأمريكيين و الإيرانيين الذين قٌتلوا عُنوةٌ من قِبل حكومات بلادهم .
نحن العرب مثل قريةٍ إعلامية صغيرة تواجه إمبراطوريات إعلامية دولية كبيرة لها باع طويل في الإعلام ، ولنستطيع مواجهة هذه الإمبراطورية لابد من تنظيم و تدريب و حشد وزيادة كل الأدوات الإعلامية الممكنة لنُكَونَ إعلاماً مُضاداً رادعاً يُولد مِن رحِمه إمبراطوريةً إعلاميةً عربيةً تقف على رأس السُلطة الدولية الرابعة .
